الشيخ محمد هادي معرفة
35
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
عليه والانقياد له على تقدير إخبار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن كان المتعلّق بهذه الأمور من الظنون الخاصّة ( الثابتة حجّيّتها بغير دليل الانسداد ) فهو حجّة ، بمعنى أنّه لا مانع من الالتزام بمتعلّقه وعقد القلب عليه ، لأنّه ثابت بالتعبّد الشرعيّ . بلا فرق بين أن تكون الحجّيّة بمعنى جعل الطريقيّة - كما اخترناه - أو بمعنى جعل المنجّزيّة والمعذّريّة - كما اختاره صاحب الكفاية - . . . وأمّا الظنّ المتعلّق بالأمور التكوينيّة أو التاريخيّة ، كالظنّ بأنّ تحت الأرض كذا أو فوق السماء كذا ، والظنّ بأحوال أهل القرون الماضية وكيفيّة حياتهم ونحو ذلك ، فإن كان الظنّ من الظنون الخاصّة ، فلا بدّ من التفصيل بين مسلكنا ومسلك صاحب الكفاية رحمه الله ، فإنّه على مسلكنا من أنّ معنى الحجّيّة جعل غير العلم علما بالتعبّد ، يكون الظنّ المذكور حجّة ، باعتبار أثر واحد وهو جواز الإخبار بمتعلّقه . فإذا قام ظنّ خاصّ على قضيّة تاريخيّة أو تكوينيّة ، جاز لنا الإخبار بتلك القضيّة ، بمقتضى حجّيّة الظنّ المذكور ، لأنّ جواز الإخبار عن الشيء منوط بالعلم به ، وقد علمنا به بالتعبّد الشرعيّ . وهذا بخلاف مسلك صاحب الكفاية . . . إذ لا أثر شرعيّا للموجودات الخارجيّة أو القضايا التاريخيّة ليكون الظنّ منجّزا أو معذّرا بالنسبة إليه . وأمّا جواز الإخبار عن شيء فهو فرع العلم به ، والمفروض حصول العلم - ولو عن تعبّد شرعيّ - كما نبّهنا ! « 1 » وهذا الذي ذكره سيّدنا الأستاذ - طاب ثراه - في غاية الدقّة والإتقان ، غير أنّ هنا التفاتةً يجدر التنبّه لها ، وتعود إلى جانب قوله بالتعبّد في حجّيّة الأمارات ، كما جاء في كلام سائر المشايخ العظام من اعتبارهم حجّيّة خبر الواحد من باب التعبّد به شرعيّا . . . ولنتسائل : هل هناك تعبّد - في منح هذه الحجّيّة لخبر الثقة العدل - أم هي مرافقة مع العرف العامّ ( أعراف العقلاء ) ؟ والذي يبدو لنا : أنّ حجّيّة خبر الواحد ( الجامع لشرائط الاعتبار ) لم تكن مستندة إلى
--> ( 1 ) - . راجع : مصباح الأصول ، ج 2 ، ص 238 - 239 مبحث حجّيّة الظنّ في الاعتقاديّات .